الفزعة” من أجل مساعدة النيجر . حلقة 1 : مساحة للفهم

بقلم / محمد ولد شيخن

تمر جمهورية النيجر الشقيقة هذه الأيام بوضعية عصيبة إثر انقلاب 26 يوليو 2023 م المرفوض بشدة دوليا .
و يبدو الضغط الخارجي على الإنقلابيين شديد الوطأة و عالي النبرة حيث باتت تواجه النيجر حالة حصارخانق تموينيا واقتصاديا و ماليا و حتى طاقويا /كهربائيا .
كما من البداية وضع على الطاولة التهديد بالتدخل العسكري الناجز من طرف المنظمة الإقتصادية لدول غرب إفريقيا “سيدياو CEDEAO ” وذلك لإستعادة النظام الدستوري في ذلك البلد وعودة رئيسه المعتقل للسلطة .
و لا يخفى في الحقيقة أنه دون خيار عسكري جدي قادم من وراء الحدود أو ناجم عن تفاعلات داخلية فستظل مسألة إستعادة الرئيس محمد بازوم للسلطة الفعلية في بلده امرا دونه خرط القتاد بل ربما هو من قبيل إعادة اللبن إلى الضرع .
و هناك حتى من يجادل بتعذر إعادة الأمور كما كانت و لو مع التدخل العسكري المرتقب لأسباب لا ضرورة للخوض فيها ليس اقلها مصير الإنقلابيين ومن يؤيدهم .
و أكثر فأكثر يبدو خيار استخدام القوة من طرف منظمة “سيدياو” محل شك كلما طال الوقت وبعدت الشقة لما يقف أمامه حتى الآن و ما سيواجهه في المستقبل من صعوبات تمويلية و تحديات عسكرية صرفة ( في التخطيط والحشد واللوجستيك)
و أخرى قانونية (كمشروعية استخدام القوة اصلا أو دون حتى تغطية أفريقية أو من مجلس الأمن الدولي ).
ضف إلى ذلك ما بدأ يظهر من تنامي المعارضة السياسية داخل الرأي العام لبلدان “سيدياو” و حتى لدى بعض برلمانات الدول الأكثر تحفزا للتدخل كما هو حال جمهورية نيجيريا الإتحادية ذات القدرات الكبيرة الحاسمة و صاحبة الكلمة الفصل في المضي قدما بالخيار العسكري (قيادة و مساهمة و انطلاقا ).
و دون تأخير برزت عقبات خارجية متنوعة كالإعتراضات الدبلوماسية ضد الحرب لدى أغلبية دول جوار النيجر (5 من أصل 7) .
و في حين عبر ت الجزائر صراحة و بقوة عن رفض التدخل العسكري في النيجر من منظور جيوبولتيكي وأمني فقد أكد جيران آخرون كمثل مالي و بوركينا وحتى غينيا البعيدة عن التضامن الفاعل بل الإصطفاف العسكري التام ضد أي تدخل خارجي في النيجر من طرف “سيدياو” و الموصوف عند ثلاثتهم بالعدوان الصريح على تلك الدولة .
و بعيدا عن إفريقيا الغربية فيبدو راسخا الموقف العام الرافض للإنقلابات في القارة بشكل مبدئي و ثابت.
بالمقابل ليس ثمة تحمسا كبيرا لتكريس مبدإ التدخل العسكري الخارجي التلقائي للتصدي للتغييرات غير الدستورية في البلدان الإفريقية لأن ذلك مما يمس بمبدإ آخر مهم بل أهم و هو المحافظة على السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان . كما أن ذلك قد يؤسس لخطر تغول الكبار على الصغار .
فمن سيغزو دولا مثل نيجيريا أو ساحل العاج او يحاصرها لو حدث فيها انقلاب لا قدر الله؟
وهنا يبرز جليا ما يرى فيه البعض نوعا من النفاق والكيل بمكيالين . و لا أدل على ذلك من هذه الحالة فلو لم تكن النيجر جارة لنيجيريا و لم يكن الحاكم الحالي للدولة الأخيرة هو السيد بولا أحمد تونوبو الذي هو رئيس جديد في مستهل مأموريته الأولى وحافزه قوي للتشدد مع الإنقلابات على تخومه و في جيرانه المباشرين وضمن سياق متسلسل ومطرد فلربما كان الإندفاع الحربي العام الملاحظ ل “سيدياو” أكثر تواضعا بل ربما غائبا تماما .
وخارجيا إذا استثنينا تشدد فرنسا المرعوبة و المتألمة مما يحصل وتضامن بعض الحلفاء معها من أوروبا الغربية فمن اللافت غياب اية حماسة واضحة للخيار العسكري حتى لدى أمريكا بكل ما تمثل إذ انها تراهن اكثر على المزاوجة بين الدبلوماسية و التواصل مع ممارسة الضغوط المختلفة من أجل تطويع العسكر لإسترجاع الوضع الدستوري و الخروج من المازق الحالي دون خسارة هذه الدولة او جعلها فاشلة و ممزقة .
أما القوي الكبرى الأخرى فرفضها يبدو اكثر وضوحا و حزما فيما يتعلق بمسألة التدخل الخارجي العسكري .
إن اسوأ ما ينبغي أن يخشاه عقلاء القارة من استخدام القوة التي تلوح بها منظمة “سيدياو” هو احتمال نشوب حرب إقليمية غير مسبوقة بين الدول الأعضاء في هذه المنظمة و لا سيما بين تلك المتدخلة عسكريا ضد الإنقلاب مع تلك التي يحكمها عسكريون متضامنون مع الحكم العسكري الجديد في النيجر .
و مثل تلك المواجهةإن حدثت – لا قدر الله – فهي ستنزلق على الأرجح إلى مواجهة أشمل و ذات نتائج أخطر لأنها ستكون فقط في العنوان نزاعا إفريقيا ولكن بالمضمون
و الخلفية صراعا بين قوي عظمى خارجية مما سيدخل الأمور في السياق الأوسع للتدافع الدولي الشديد الجاري و ضمن المخاضات الأليمة للنظام العالمي الجديد عسير الولادة .
و مخاطر تلك الحرب الإقليمية لن تنحصر في جانب معين او بند محصور بل إنها قد تقود إلى إنهيار النظام الإقليمي القائم كله وحتى تهديد مكتسبات التكامل الإقتصادي في شبه المنطقة بإنفجار منظمة “سيدياو” نفسها وربما يتبعها أيضا منظمة الإتحاد النقدي (UMOA).
هذا مع خلق ظروف غير مسبوقة او مقصودة لإزدهار البيئات المواتية للتمدد المريح لمشروع الجماعات الجهادية في المنطقة والتي يسعى الجميع لمحاربتها تماما كما يخشون انتشارها .
ليست الصعوبة والحساسية في إنقلاب النيجر وما نجم عنه من تفاعلات في كونه إنقلابا مستفزا و لا مبرر له ضد سلطة منتخبة في دولة مهمة بل لأنه يتنزل ضمن سياق أوسع وأخطر أي بوصفه كمرحلة جد َمتقدمة من حالة الإستقطاب الإيديولوجي والصدام الحاد الواقع بين محورين ونظرتين و مشروعين :
1- من جهة : الأنظمة الجديدة العسكرية الشابة التي ترفع شعار” الأفريقانية الثورية” panafricanisme بخطابه ووعوده و تضامنه والتي تراهن على علاقات مثمرة مع القوى الصاعدة في العالم وإثبات الذات إزاء الغرب ،
2- و من جهة أخرى : أنظمة “الديمقراطية الإنتخابية” المحافظة الحريصة على صون الإستقرار و التراكم من أجل الوصول للرشد السياسي و الإقلاع الإقتصادي كما انها لا تعتبر نفسها في خصومة مع الغرب ولا غيره .
و في الحقيقة هذا الإشتباك الإقليمي
و الإيديولوجي هو لب الألباب في العقدة العويصة لهذه الأزمة . إن الموضوع ربما قد صار متعلقا بالنسبة لأطرافه المتصارعة من قبيل الدفاع عن الذات وغريزة البقاء
و حتى بنوع من النخوة والكرامة .
إن الخصومة الإقليمية في النيجر اليوم تشكل نقطة انعطاف وإلتحام في المنازلة المحتدمة منذ عامين بين الفسطاطين الإفريقيين (les deux Afriques).
لا يبعد وضع الطرفين من أن ينظر كلاهما للأمر و على نحو جاد كنوع من “مباراة نهائية” او” كلاسيكو” مفزع ؛ الخسارة فيه رمزية ومهينة وخطيرة بينما كسب الجولة هو فوز تاريخي محفز ومطمئن على المستقبل .
ولعل الشعور السائد لدى الفريق المتحمس للحسم العسكري هو انه خسر كل جولات التصفيات السابقة ضد الفريق الآخر الذي ما فتئ يتقدم ويكسب .
إن هذا الفهم والتوصيف هما مما يجعل الأفق مخيفا وباعثا على الغلق لا سيما مع استقراء التاريخ في غير ما مسرح عالمي .
ففي أوروبا على سبيل المثال فقد استتبعت الثورة الفرنسية دوامات عنيفة
و صراعات مريرة بين أحلاف في القارة العجوز .
كما تخلق الإيديولوجيا أيا كان عنوانها
و مضمونها وما تفرزه من حملة لمشعلها
وروحها حالة من الاضطراب العام و الغلق . وفي هذا الصدد يمكننا أيضا استحضار الماضي بل و استعارة جملة استهلال مقدمة البيان الشيوعي سيء الصيت لدي للكثيرين :
(هناك شبح ينتاب إفريقيا هو شبح الأفريقانية Africanisme….).
لا أحد يتمنى أن يفضي هذا الوضع الملتبس إلى صراع مسلح لكن إذا كان ذلك هو القدر المقدور فكيف ستكون تلك الحرب وأين ستجري وما هي أهدافها و نتائجها ومخاطرها المحتملة؟ ثم أليس من الممكن إيجاد حلول وسط تجنب النيجر و الإقليم مثل تلك الكارثة و ما هي مثل تلك الكارثة وما هي الفرص والتصورات الممكنة ومن الأكثر تأهيلا للعب أدوار حيوية ومهمة في ذلك الصدد؟
هذا ما قد نتناوله لاحقا في تدوينة أو أكثر إن سنحت الفرصة.
السلام عليكم.
…..يتبع

زر الذهاب إلى الأعلى