
رئيس الجمهورية: نعمل من أجل أن يكون تنوعنا ثراء واختلافنا قوة وتكاملا(نص الخطاب)
قبس.إنفو
أكد فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، أن التنوع والاختلاف يمثلان سمة طبيعية من سمات الوجود الإنساني، وأن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجودهما، وإنما في كيفية تدبيرهما وتحويلهما إلى مصدر إثراء وتكامل وقوة، بدل أن يتحولا إلى عوامل للفرقة والعنف والتطرف.
وأوضح فخامته، في كلمة ألقاها اليوم الاثنين بمناسبة افتتاح الدورة التاسعة والثلاثين من المؤتمر الدولي للسيرة النبوية في نواكشوط، أن المجتمعات والدول التي تحسن إدارة تنوعها واختلافها تكون أكثر قدرة على تعزيز لحمتها الاجتماعية وتسريع مسيرة التقدم والنماء، بينما يؤدي سوء تدبيرهما إلى إضعاف روابط المواطنة وتهديد الاستقرار والوحدة الوطنية.
وفيما يلي نص كلمة فخامة رئيس الجمهورية:
“معالي الوزير الأول؛
السيد رئيس الجمعية الوطنية،
السيد رئيس مؤسسة المعارضة الديمقراطية،
السادة الوزراء؛
أصحاب السعادة أعضاء السلك الدبلوماسي ؛
السادة قادة الأجهزة العسكرية والأمنية؛
السيد والي نواكشوط الغربية؛
السيدة رئيسة جهة نواكشوط،
السادة والسيدات المنتخبون،
السيد رئيس التجمع الثقافي الإسلامي في موريتانيا وغرب إفريقيا؛
أصحاب الفضيلة والسماحة، العلماء والمفكرون والباحثون؛
أيها الحضور الكريم؛
يسعدني أن أرحب بكم في الجمهورية الإسلامية الموريتانية، بين أشقائكم، شاكرا لكم مشاركتكم في هذا المؤتمر العلمي المبارك.
كما يطيب لي أن أعرب للقائمين على التجمع الثقافي الإسلامي عن تقديرنا لجهودهم في خدمة السيرة النبوية، ولحرصهم الدائم على أن تظل مواضيع هذا المؤتمر وثيقة الارتباط بأبرز التحديات التي تواجه مجتمعاتنا، كما هو الحال في هذه الدورة الجارية، المنعقدة تحت عنوان: “الهدي النبوي في إدارة التنوع والاختلاف وتعزيز المشتركات”.
أيها السادة والسيدات،
إن الطابع العام للوجود البشري، عموما، هو التنوع والاختلاف في الأعراق والألوان والألسنة والمشارب الثقافية والحضارية، تلك سنة الله في خلقه. وبما أن الكرامة، في الأصل، أُنيطت بالإنسان من حيث هو إنسان، لا بخصائصه العرضية من لون ولغة وغيرها، فإن التنوع، كما الاختلاف، أمر طبيعي لا إشكال فيه، في ذاته، إنما الإشكال، ومكمن التحدي، هو في كيفية تسييره وتدبيره. فقد يُحسن تسييره، فيكون عامل إثراء وتكامل وقوة، يعزز لحمة المجتمع، ويسرّع عجلة التقدم والنماء؛ وقد يُساء تدبيره، فيكون عاملا سلبيا ينتج تراخيا في رباط المواطنة، وضعفا في اللحمة الاجتماعية، ومن ثم فرقة وشقاقا وعنفا وتطرفا. وليس ثمة ما هو أقوى على تفكيك المجتمعات والدول من فشلها في تسيير وتدبير ما بها من تنوع واختلاف.
وإن ما يعيشه عالمنا عموما من عدم استقرار وعنف وإرهاب ونزاعات، ليشكل، في العديد من صوره، شاهدا ماثلا للعيان على ذلك.
وأمام جسامة تحدي تسيير التنوع، تظهر حاجتنا الماسة اليوم إلى استحضار وتمثل الهدي النبوي في تدبيره للاختلاف، اعتمادا على منظومة القيم الإسلامية السامية التي تكرّس المساواة في الكرامة، والتآخي والتكافل، وقبول الآخر، والعدل والإنصاف.
فبمنظومة القيم هذه نقل المصطفى، عليه الصلاة والسلام، التنوع والاختلاف في المجتمع الإسلامي الناشئ، حينئذ، من ضيق العصبية العرقية والقبلية إلى رحابة الأمة والرباط العقدي الجامع.
غير أن تمثل هذه القيم من مساواة وتآخٍ وعدل وإنصاف لا يقتصر على مجرد تمجيدها والحث عليها، وإنما يعني كذلك، وفي الأساس، تحويلها إلى روح نابضة في علاقاتنا ومسلكياتنا ومؤسساتنا، وفي مختلف أنماط تدبيرنا للشأن العام.
وهذا ما عملنا، ولا نزال نعمل عليه، بجهد وإصرار، من خلال حرصنا على تكريس نهج الانفتاح على الجميع، وترقية ثقافة الحوار والتشاور واحترام المخالف، والتمسك بالمشتركات الجامعة، كالدين والمواطنة والتاريخ المشترك والانتماء إلى نفس الأرض والمصير الواحد. وكذلك من خلال العمل على تقوية المؤسسات، وتعزيز دولة القانون، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وتصحيح موازينها تدريجيا، عبر الدعم المكثف للفئات الأكثر هشاشة، ومكافحة الفقر والإقصاء، تقوية للحمة الاجتماعية، وتعزيزا للوحدة الوطنية، وليكون تنوعنا ثراءً، واختلافنا قوة وتكاملا.
نحن مصممون على بناء مجتمع متصالح مع نفسه، نقي من شوائب مخلفات المظالم التاريخية والإرث الإنساني، تتقدم فيه المواطنة واعتبار المشتركات الجامعة على كل ما سواهما، ويستمد من تنوعه القوة لتحقيق طموحاته.
ويجب أن نعي كلنا حجم المسؤولية الملقاة على عواتقنا جميعا بخصوص ضرورة تحقيق هذا المشروع المجتمعي، مستحضرين على الدوام أن نجاحنا في ذلك يتوقف، في جزء معتبر منه، على حسن تدبيرنا وتسييرنا لما حبانا الله به من ثروة التنوع والاختلاف.
وإن للعلماء والمفكرين والباحثين، على هذا المستوى بالذات، دورا بالغ الأهمية، بحكم ما يتعين عليهم من وجوب ترسيخ الفهم الصحيح للدين، وتعزيز ثقافة الوسطية والاعتدال، وتقديم إجابات علمية رصينة عن الأسئلة التي تشغل الأجيال الجديدة، درءًا للتطرف والغلو، وجمعا بين أصالة المرجعية الإسلامية وضرورات الدولة الحديثة.
وإنني إذ أعلن، على بركة الله، افتتاح هذا المؤتمر، لأرجو لأعماله كل النجاح والتوفيق.
أشكركم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”.